موقع الأستاذ الدكتور / فهد بن حمود العصيمي

ما شاء الله تبارك الله

التاجر الخاسر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قرأت القصة وأحببت أنكم تشاركوني قراءتها لما فيها من موعظة ولقد قرأت منذ زمن ، قصة رجل ثري ، حدث له مثل هذا الذي نقوله ، ولكن النهاية كانت هي الأعجب .. لقد أصيب بمرض عضال ، وتردد على مشافي كثيرة في بلدان مختلفة ، من بلاد العالم وفي كل مرة لا يرى فائدة تُذكر ، بل إنه يحس أن الأمر يستفحل مع الأيام ، ويحدث أن يقال له بملء الفم : بحسابات الطب التي نملكها ، فإنه لا أمل في شفائك ،ولقد أصبحت أيامك في دنيا الناس معدودة ، لا تتعدى الشهرين أو الثلاثة ، فبقاؤك بين أهلك وأحبائك خير لك .. وجحظت عينا الرجل ، وارتعشت كل خلية فيه ، وانتصبت كل شعرة في جسده تنتفض مذعورة ، ولما أيقن بما أخبروه ، عاد إلى بلده منهاراً محطماً ، يحمل نفسه في جهد ، وفي رأسه تثور عشرات الآلاف من الخواطر والأفكار والأسئلة ، ولأن الأمر جدّ ولا مجال للمزح فيه ، فقد بقي يخبط يداً بيد ، ويضرب أخماساً في أسداس ، ثم لمعت في رأسه فكرة ، فرح لها كل الفرح ،
وما إن وضع عصى الترحال في بيته ، حتى بادر يستدعي محاميه الخاص إلى مكتبه وأغلق في إحكام الباب من ورائه ، ثم شرع يملي عليه وصيته العجيبة الغريبة : تبرعات سخية لأطفال أفريقيا ، ومثلها لأطفال فلسطين ، ومشاريع خيرية في هذا البلد وذاك ،وصدقات ، وزكوات ، وملايين يذكرها ويوزعها ، والمحامي يكتب في ذهول وعجب ودهشة ، وكلما حاول أن يتكلم ، زجره صاحبه قائلاً : لقد أيقنت أنني مودّع هذه الدنيا ، وأريد أن أغتسل من ذنوبي وما أكثرها .. ثم شرع يقسّم بقية ميراثه على ورثته ..! كل ذلك على الورق ، ولذا طلب من محاميه أن لا ينفذ شيئاً من هذا إلاّ بعد موته .. ومن يومها انقلبت حياة الرجل رأسا على عقب ، لم تعرف رجلاه ، منذ ذلك اليوم ، سوى الطريق إلى المسجد ، وأصابعه لا تزال تدير مسبحته الطويلة ، على مدار الأنفاس ، حتى كلامه ، أصبح معدوداً محسوباً موزوناً ، لا يدور لسانه إلاّ بذكر أو تذكير أو نصح أو إرشاد ووعظ ونحو ذلك .. وكلما حاول أهله وذووه أن يثنوه ، ازداد إصراراً ، ومع إصراره ازداد شحوباً .. وتمضي الأيام والرجل يكاد يكون من العُبّاد القلائل في مدينته ، كان أول الداخلين إلى المسجد ، وآخر الخارجين منه ، كثير الاعتكاف ، غزير الدمعة .. ومع كل يوم يموت بعضه ، ومع نهاية كل ليلة ، يكون قد انتصب فزعاً في جوف الظلام يبكي وينوح على نفسه .. ويمرّ الشهر ووراءه الشهر ، وفي الشهر الثالث يتضح لك أن الرجل قد أصبح من أبناء الآخرة .!!
ولما انقضى الشهر بكله ، ثم تتابعت أيام من الشهر التالي ، ورأى أنه لا يزال في
كامل عافيته ، برقت عيناه ، وانعقد لسانه ، وفغر فاه ، وأشرق أمل جديد في صدره ،وظل يترقب الأيام الجديدة ، ومضت أسابيع ، فإذا هو يصيح لاعناً الطب والأطباء ، وسارع يخلع ثياب الزهد والعبادة ، ودعا صحبته القديمة _ التي كان قد طلّقها _ وقبل ذلك كان قد دعا محاميه ، ومزّق تلك الوصية وهو يقهقه ساخراً ولاعناً .. وقرر أن يعوّض كل تلك الأيام بسهرة لم يسهر مثلها إنسان ..! واجتمع لفيف من صعاليك الأرض ، ليس لهم همّ إلاّ بطونهم وشهواتهم ، وكانت ليلة أشبه ما تكون بليالي ألف ليلة وليلة المسطرة في الكتب .. وعلى المائدة الكبيرة ، ووسط روائح الخمور وعطور الغانيات و..و.. يُقبل الرجل يأكل بشراهة وفي نهم ، غير أنه لم يكد يمضغ لقيمات حتى خرّ صريعاً ميتاً وسط هذه الزينات ، وهذا الصخب والضجيج ..! يا لله …. ! ماذا تفعل الحماقة بأصحابها …! لقد كان – فيما يبدو – على باب الجنة ليس بينه وبينها إلاّ ساعات ، ولكن الشقاوة أبت عليه إلاّ أن ينحرف عن الطريق عند آخر محطة …! نسأل الله العفو والعافية لنا ولجميع المسلمين والمسلمات .. والفكرة كلها هي : كيف أنّ هذا الرجل ، قد انقلبت حياته كلها ، حين أخبره طبيب( مخلوق ) بأنه على وشك أن يموت .. ونحن يُخبرنا الخالق عز وجل في محكم آياته ، أننا على وشك أن نغادر هذه الحياة الدنيا ، في أية لحظة ، ثم نحن لا نتأثر أبداً .!؟
أتُرانا لا نؤمن بالله وبما أنزل من كتاب _ وإن كنا ندّعي ذلك _ أم أنها مجرد غفلة بلغت بنا حد الحماقة .؟

كلّ ابنِ أُنثى وإن طالتْ سـلامتهُ ****** يوماًعلى آلةٍ حــدباء محمــولُ