موقع الأستاذ الدكتور / فهد بن حمود العصيمي

ما شاء الله تبارك الله

أحكام رمـــــضــــــــــــــــــــان

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أحكام رمـــــضــــــــــــــــــــان

نشر فى مجلة الدعوة

أولاً: من آداب الصوم :

الصوم في اللغة الإمساك:

وفي الاصطلاح: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر ودليله من الكتاب، قوله تعالى:] يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون[(1) ، وقوله تعالى:] فمن شهد منكم الشهر فليصمه[(2). فمن هذه الأدلة يتبين لنا فرضية الصوم على المسلمين إلى قيام الساعة.

وأما من السنّة ما ورد عن رسولنا صلى الله عليه وسلم : (( بُني الإسلام على خمس، شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً ))(3)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ))(4). وما روي عنه صلى الله عليه وسلم : (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))(5).

وغيرها من الأدلة الكثيرة التي تبين فرضية صيام شهر رمضان.

الحكمة من صيام شهر رمضان:

في الواقع أننا مكلفون من فوق سبع سموات أن نصوم هذا الشهر وذلك أن الله تبارك وتعالى هو الذي خلقنا وهو الذي يعلم أحوالنا وما يصلحنا وهو سبحانه يملك اختبارنا على هذه الأرض حيث لم يخلقنا عبثاً، إنما لنعبده ونطيعه فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.

قال تعالى: ، قوله تعالى:] وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدونِ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون[(1)، وقال تعالى: ، قوله تعالى:] أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون[(2)، إذن الصوم عبادة يجب علينا أن نؤديه طاعةً وعبادةً وتقرباً إلى الله تبارك وتعالى سواء علمت الحكمة أم لم تعلم.

وفي الواقع أن الصوم فيه فوائد كثيرة منها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه. فمما نعلمه وظهر لكل ذي لب ما يأتي:

‌أ). أن في الصوم تعويد للنفس على الشجاعة والصبر والتحمل.

‌ب). وكذلك في الصوم الشعور بالمساواة والأخوة بين عموم المسلمين.

‌ج). وفي الصوم تعويد للجسد على ترك الملذات وأصناف الطعام والشراب فما يعود المسلم على عدم الإسراف بالأكل والشرب ونحو ذلك.

‌د). والصوم مدعاة لعطف الأغنياء على الفقراء حيث يحس الغني بمرارة الجوع وشدة العطش مما يجعله يتذكر الفقراء الذين هم في فقر وعوز طول أيام السنة.

‌ه). وفي الصوم تجديد لحيوية المسلم في العبادة وتنشيط له حيث مضاعفة الأجر في قراءة القرآن وفي الصلاة ونحوه من العبادات.

‌و). وفي الصوم علاج لبعض الأمراض المزمنة التي يبتلى بها بعض الناس خاصةً الأغنياء ومن يكثرون الأكل والشرب طيلة أيام السنة إذ ثبت أن الصوم كفيل بطرد بعض الأمراض التي يعاني منها بعض الناس.

‌ز). وفي الصوم محطة يتوقف فيها الإنسان ليتذكر ماضيه ومستقبله ليتزود من الخير ويكف عن الشر.

وعلى العموم فلشهر الصيام نكهة وعذوبة وروحانية لا يدركها إلا من فتح الله على قبله وأنار بصيرته. مما يؤكد أن هناك حكم وفوائد عظيمة من أجل فرض صيام هذا الشهر.

الآداب التي ينبغي على المسلم أن يتحلى بها وهو يقوم بالصيام:

‌أ). إذا رأى هلال رمضان من السنة أن يقول: (اللهم أهله علينا بالأمن والأمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله هلال رشد وخير)(1).

‌ب). الصيام بالنية الخالصة لله وعقد العزم على ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى)) الحديث(2)..

‌ج). الحرص على ضبط الصوم عن سائر المفطرات فليس عن الأكل والشرب والجماع فقط بل وعد اللغو بأنواعه عن. عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ كفّر ما قبله))(3) .

‌د). العفو عمن أساء إليك وعدم رد السيئة بمثلها، روي عنه صلى الله عليه وسلم : ((فإن شاتمه أحد وقاتله فليقل إني صائم))(4).

‌ه). ومن ذلك الإكثار من قراءة القرآن الكريم في ليله ونهاره في الصلاة وخارج الصلاة. قال تعالى:] شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان[(5) ويؤجر المسلم على قراءة القرآن عموماً وفي رمضان خصـوصاً. قال صلى الله عليه وسلم: ((لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف بكل حرف عشر حسنات))(1).

‌و). لا تجعل شهر رمضان شهر فتور وكسل وخمول وتجعله مدعاة لتقليل الإنتاج الاقتصادي كذلك. بل رتب وقتك واستثمره فيما يعود عليك بالنفع العاجل والآجل. فهو شهر البركات والخيرات كما روي عنه صلى الله عليه وسلم : ((أتاكم رمضان شهر بركة))(2).

‌ز). عدم الإسراف بتقديم المأكولات والمشروبات وما في حكمها وتذكر أن إخواناً لك في الله تعالى في كثير من أرض الله الواسعة كالبوسنة والهرسك والصومال وأفغانستان وطاجيكستان والفلبين وكردستان وكشمير وإخوانك الطوارق في مالي وغيرهم يعيشون في حالة يرثى لها، فهم في أمس الحاجة إلى تعاونك ومد يد العون لهم من هذا الزائد عندك وغيره مما أمتن الله به عليك من فوق سبع سموات.

‌ح). ومن الآداب أيضاً الإكثار من الصدقات والنفقات كإخراج زكاة المال وصدقات التطوع فإنها في رمضان تضاعف الحسنات. فبادر إلى ذلك ولا تنسى إخوانك المسلمين في كثير من البلاد الأخرى فهم بأمس الحاجة إلى بعض زكاة مالك وصدقاتك التطوعية ولو أن تفرض لهم نصف ذلك أو ثلثه أو ربعه ونحو ذلك، قال صلى الله عليه وسلم : ((في كل كبدٍ رطبةٍ أجر))(3).

‌ط). تجنب الغيبة والنميمة في شهر الصوم وشهادة الزور والكذب ونحو ذلك كالسخرية بالناس، قال صلى الله عليه وسلم : ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))(4).

‌ي). تناول الإفطار عقب غروب الشمس مباشرة على تمر وتراً أو على شراب حلو أو على الماء قال الله تعالى في الحديث القدسي: ((أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً))(1).

‌ك). تناول السحور كما قال صلى الله عليه وسلم : ((تسحروا فإن في السحور بركة))(2).

‌ل). الإكثار من الدعاء عند الإفطار لنفسك ووالديك وعموم المسلمين فهم بحاجة ماسة إلى الدعاء خاصة في هذه الأيام التي اشتد الكرب على المسلمين في كل مكان فالدعاء سلاح قوي يبني استغلاله والاستفادة منه خاصةً في الأوقات التي يتحرى فيها الإجابة. روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد)(3).

‌م). عوِّد صغارك المميزين على صيام شهر رمضان، خاصةً إن كان الصبي قادراً على تحمل الصيام وبالذات في أوقات الشتاء كشهر رمضان هذا العام فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدربون أولادهم الصغار على الصوم ويرغبونهم فيه بأنواع من اللعب يتلهون بها عن الجوع .. تقول الربيع بنت معوذ: ((كنا نصوِّم صبياننا الصغار ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناه إياه حتى يكون عند الإفطار)).

ثانياً- رمضان في تاريخ المسلمين:

الحكمة من الصوم هي كف الجوارح الظاهرة والباطنة عن المنبهات الموجبة لعذاب الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة فيتذكر الصائم الآخرة ويصوم عما يوجب العذاب فيها فإن كل منهي يقع فيه العبد فقد فتح على نفسه باباً إلى النار.

وينبغي للمسلم أن يتذكر بصومه صفة الحق تبارك وتعالى وأنه هو الذي يُطعم ولا يُطعم فيتصف بشيء من تلك الصفات على قدر طاقته لأن الصوم معناه: الإمساك عن الاسترسال فيما خطر على العبد وهو حفظ الجوارح وزمها وإمساكها في أيام الصوم دون لياليه لأن الصوم لا يكون إلا بالنهار فإذا دخل الليل وغابت الشمس أرسلت الجوارح فيما خطر عليها من المباح إلى ان يلوح الفجر.

وماذا عن رمضان في تاريخ
* صلى الله عليه وسلم فيه نُبئ رسولنا محمد صلى الله وبدأ نزول القرآن الكريم عليه وهو لعمر الله تعالى حياة الناس بعد الموت ونورهم بعد الظلام وهدايتهم بعد الضلالة.

* فيه نصر الله تعالى المسلمين في غزوة بدر ويكفي تلك الغزة أن الله تعالى سماها يوم الفرقان فقد كان حقاً اليوم الفارق بين حياة المسلمين في ا لدعوة والتعليم وبين ما أخفي إلى حياتهم بعداً من الجهاد في سبيل الله الذي ينصر ما يشاء.

* فيه فتح الله تعالى للمسلمين مكة المكرمة فحطم النبي صلى الله عليه وسلم الأصنام التي كانت تحيط بالكعبة المشرفة، وأرسل من يحطم ويزيل ما كان منها في غير مكة المكرمة حتى طهرت أرض العرب من مظاهر الشرك والوثنية والحمد لله. ومن ثم ساح المسلمون في أرض الله تعالى ينشرون الإسلام فتفتحت لدعوتهم القلوب والبلدان.

* في رمضان سنة 92هـ فتح الله تعالى الأندلس للمسلمين والنتصر طارق بن زياد على الملك الزريق عن نهر لكه.

* في رمضان سنة 582هـ قاتل صلاح الدين الصليبيين في سوريا واستخلص منهم البلاد التي كانوا قد استولوا عليها من قبل.

* في رمضان من سنة 702هـ هزم المسلمون المصريون بقيادة الملك قطز والظاهر بيبرس جحافل التتار التي طالما عاثت في الأرض فساداً وخلفت دماراً وخراباً فولت الأدبار هاربةً خائفةً تاركةً آلاف القتلى وعشرة آلاف أسير.

* في رمضان من سنة 1311هـ افتتح المسجد الأموي بعد الحريق الكبير الذي أصابه في ربيع الثاني من تلك السنة

مما تقدم نجد أن شهر رمضان كله خير على المسلمين وكله بركة، فيه تضاعف الحسنات، وفيه تمحى السيئات، وفيه تصفد الشياطين، وفيه تنزل الملائكة كما قال تعالى:] إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلامٌ هي حتى مطلع الفجر[(1)

(1) الآية 183 من سورة البقرة.

(2) الآية 185 من سورة البقرة.

(3) رواه البخاري ومسلم.

(4) متفق عليه.

(5) رواه مسلم، 554.

(1) الآية 57 من سورة الذاريات.

(2) الآية 115 من سورة المؤمنون.

(1) رواه الترمذي وقال حسن.

(2) اللؤلؤ والمرجان 1245.

(3) رواه أحمد 98-11 .

(4) رواه مسلم والنسائي وأحمد.

(1) الآية 185 من سورة البقرة.