موقع الأستاذ الدكتور / فهد بن حمود العصيمي

ما شاء الله تبارك الله

أسباب انشراح الصدر في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

أسباب انشراح الصدر في الإسلام

تمهيد

التوحيد والعلم والإيمان والعلم والمحبة والإحسان ودوام ذكر الله وترك فضول النظر والكلام ، أسباب ضرورية للسعادة وانشراح الصدر .

لاشك أن حضارة هذا الزمان لم تأتي من فراغ بل جاءت نتيجة بذل الجهد واستغراق الأوقات في التفكير والاختراع والابتكار ، ونتيجة لهذه الضغوط الجسمية والعقلية على الإنسان أن انتشرت الأمراض النفسية كنتيجة طبيعية ، كذلك للحضارة المادية المتطورة التي نعيشها ونلمسها في حياتنا العلمية والاقتصادية والثقافية .

والناس أمام هذا الواقع يحتاجون للبحث عن الأمور والأسباب التي تعالج هذه الأمراض وتوفر لهم السعادة والراحة النفسية والطمأنينة، واختلفت نظرة الناس للأمور التي تجلب السعادة لهم وانشراح الصدر ، فمنهم من رآها في التمتع بملذات الحياة من المأكل والمشارب والمساكن واللباس ، ومنهم من رآها في حصول الجاه والمكانة الاجتماعية وإلى غير ذلك من الأمور التي يرى الناس أنها سبب سعادتهم وانشراحاً لصدورهم .

فالناس مختلفون في الأسباب التي تؤدي إلى انشراح الصدر ، ولا شك أن ديننا الحنيف قد رسم لنا ووضح لنا أسباب انشراح الصدور .بل المتأمل يرى أن الدين والالتزام به هو انشراح الصدر حقيقة قال الله تعالى : ( ألم نشرح لك صدرك ) [1] إذا ما الأسباب التي تؤدي إلى انشراح الصدر ؟ وقبل أن نبدأ الحديث عن هذه الأسباب لابد لنا قبل ذلك من تعريف الانشراح وماذا يعني

قال ابن كثير في تفسيره ( ألم نشرح لك صدرك ) [2] يعني أنّا شرحنا لك صدرك أي نورناه وجعلنا ه فسيحاً رحيباً واسع ويتضح لنا مما سبق ذكره أن المراد بالانشراح هو اتساع الصدر وانبساطه ورحابته وطمأنينته ، بما يحصل له من الإيمان والطاعة التي تنوره فتهدأ نفسه ويطمئن قلبه ، ويشعر بسعادة ولذة ونعيم في الدنيا قبل الآخرة . ويكون لهذا الانشراح أثر في تصرفاته وأخلاقه ومعاملته مع الآخرين ، فتراه مسروراً باسم الوجه واثقا بالله عز وجل في صدره سعة لاحتمال أخطاء إخوانه المسلمين ، واحتمال مصائب الدنيا ومكدراتها راضيا ً بقضاء الله وقدره .

ولانشراح الصدر أسباب كثيرة ذكرها أهل العلم في كتبهم ولعل خير من تكلم عنها ابن القيم رحمه الله .

ومما قال فأعظم أسباب انشراح الصدر :

أولاً التوحيد :

وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه

قال تعالي ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه)[3] فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر ، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر . أ . هـ .

ونحن نعيش في عصر طغت فيه الماديات وكثر فيه الإلحاد فأصبح الإنسان لا يؤمن إلا بما هو محسوس ولا ينقاد لعقيدة أو توحيد إلا من رحم الله تعالى ، ولا شك أن هذه من انتكاس الفطرة فالله سبحانه وتعالى قد أخذ الميثاق على الناس وهم في الدنيا كما

قال تعالى(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(172))[4].

ولكن لما انطمست هذه الفطرة وقع الانحراف والإلحاد في الإيمان بالله عز وجل .ومن هذا ندرك أثر التوحيد في انشراح الصدر وماله من الإيجابيات على حياة الإنسان فهو يبعث في النفس البشرية السعادة والسرور والاطمئنان ، وكذلك أثره في تحقيق السعادة والاستقرار في الحياة والدنيا وفي الآخرة ، وندرك أن التوحيد من أهم أسباب أنشراح الصدر في ديننا الإسلامي الحنيف.

ثانيا ً : النور ـ

النور الذي يقذفه الله في قلب العبد وهو نور الإيمان فإنه يشرح الصدر ويوسعه ، ويفرح القلب فإذا فقد هذا النور من هذا القلب العبد ضاق وخرج وصار في أضيق سجن وأصعبه ويتضح من ذلك أن لله عز وجل الفضل كله والشكر والثناء على العبد حيث أنعم الله عليه بنعم كثير لا تعد ولا تحصى ومن هذه النعم هذا النور الذى يقذفه الله في قلب العبد وأثره البالغ في انشراح الصدر ووسعه وبما يعود على النفس من التحلي بالأخلاق الحسنة وكذلك مما يعود به على الفرد داخل مجتمعه بحب الغير له والتقدير والاحترام لدى الغير من أفراد مجتمعه.

ثالثا ً : العلم

فإنه يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا ، والجهل يورث الضيق والحصر والحبس فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع ، وليس ذلك لكل علم , بل للعلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو العلم النافع فأهله أشرح الناس صدراً ، وأوسعهم قلوباً ، وأحسنهم أخلاقاً ، وأطيبهم عيشاً .

ونرى من آثار العلم في انشراح صدر الإنسان كذلك دورة في نشر الوعي بين الناس ورفع مستوى الثقافة لديهم وزيادة رحابة الصدر ووسعه. ويلاحظ ما بين الإنسان المتعلم والإنسان الجاهل من الفروق والتفاضل في مستوى الرحابة والأخلاق وسعة الصدر ومستوى معيشة كل واحد منهم .

رابعاً : المحبة

لله سبحانه وتعالى بكل القلب والإقبال عليه والتنعم بعبادته فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك حتى أنه ليقول أحياناً : إن كنت في الجنة في مثل هذه الحالة فإني إذا في عيش طيب وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح وأشرح .

فلا شك أن للمحبة أثرها على الحياة العبد من السعادة والرفاهية والأمن والطمأنينة وراحة الضمير والبال وتتفاوت المحبة من شخص إلى آخر وكذلك يختلف أثرها على حياه كل شخص .

خامساً : الإحسان

إلى الخلق ونفعهم بما يمكن من المال والجاه ، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان …. وعكس الإحسان الشح والبخل ، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح مثلا ً للبخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد كلما هم المتصدق بصدقه اتسعت عليه وانبسطت حتى يجر ثيابه ويعفي أثره ، وكلما هم البخيل بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها ولم تتسع عليه .

سادساً : ومن أعظم

أسباب انشراح الصدر : إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب عذابه ، وتحول بينه وبين حصول البرء ، فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره ولم تخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه ، لم يحظ من انشراح صدره بطائل ، وغايته أن يكون له مادتان تعتوران على قلبه وهى للمادة الغالبة عليها منها .فإن الإنسان إذا أراد أن ينشرح صدره لابد له من إخراج ما في قلبه من الحقد والحسد والبغض الذي يكنه لغيرة من الناس وحب الخير لإخوانه وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( فيما معناه : أحب لأخيك ما تحب لنفسك ) وهذا أمر واضح في إيجاد روح الترابط والتعاون والمحبة في كل شيء بين المسلمين .

سابعاً : دوام ذكر الله

على كل حال ومن كل مواطن فللذكر تأثير عجيب في ضيقه وحبسه . ومن الأدلة على فوائد ذكر الله عز وجل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس ( ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب أو في القرب : الله ربي لا أشرك به شيئاً)[5] فدل هذا الحديث على أن ذكر الله سبحانه في المشقة والمحنه سبب في تنفيس الكربة التي تواجه العبد في معيشته .

فالذكر يعود بفوائد جليلة على العبد حيث يبعث الأمن والطمأنينة في النفس وكذلك الاستقرار والسعادة وقلة الضغوط على القلب من الناحية النفسية .

ثامناً : ومن أسباب انشراح الصدر

ترك فضول النظر ، والكلام ، والاستمتاع ، والمخالطة ،وكثرة الأكل والنوم فإن هذه الفضول تستحيل آلاماً وغموماً ، وهموماً في القلب ، تحصره ، وتحبسه ، وتضيقه ، ويتعذب بها ، بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها فلا إله إلا الله ، ما أضيق صدر من ضرب في كل أفه من هذه الآفات بهم ، وما أنكد عيشة ، وما أسوء حاله , وما أشد حصر قلبه ، ولا إله إلا الله ، ما أنعم عيش من ضرب في خصلة من تلك الخصال المحمودة بهم ، وكانت همته دائرة عليهما ، حائمة حولها فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى :(إن الأبرار لفي نعيم )[6] ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى : ( وإن الفجار لفي جحيم )[7]

وبينها مراتب متفاوتة لا يحصيها إلا الله تبارك وتعالى.

ثم قال ابن القيم رحمه الله تعالى : والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر ، واتساع القلب ، وقرة العين وحياة الروح فهو أكمل الخلق في هذا الشرح والحياة ورقة العين مع ما خص به من الشرح الحسي ، وأكمل الخلق متابعة له ، أكملهم أنشراحاً ولذة قرة عين ، وعلى حسب متابعته له ينال العبد من انشراح صدره ، وقرة عينه ، ولذة روحه ما ينال : انتهى كلامه رحمه الله .

تاسعاً : ومن أسباب انشراح الصدر وأهمها الاستغفار وما يعود به بفعله على النفس من آثار عظيمة وغاية في الأهمية ومنها قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة) [8] .

فالاستغفار يجلي ويزيل ما على القلب من الهم والشغل والحيرة ويشرح الصدر وينعم على القلب .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ً ومن كل هم فرجاً ، ورزقه من حيث لا يحتسب)[9]فالاستغفار له فوائد من إزالة الشدة والمحنة التي تحصل للعبد. خلال موافقة في حياته وهو ( أي الاستغفار ) طريقاً وسبباً يخرج إلى سعة ومنحة والخلاص من أي كرب ومحنة وهم وغم ؛ والحديث مقتبس من قوله تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً..)[10]

والله أعلم .وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

[1] سورة الشرح الآية 1

[2] سورة الشرح الآية 1

[3] الزمر ، آية 22.

[4] الأعراف, آية 172.

[5] رواه ابن ماجه والنسائي

[6] سورة الانفطار آية 13

[7] سورة الانفطار الآية 14

[8] أخرجه مسلم

[9] رواه ابن ماجه والنسائي

[10] سورة الطلاق, آية 2.