موقع الأستاذ الدكتور / فهد بن حمود العصيمي

ما شاء الله تبارك الله

الحب فى الله

بســــم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول رب العالمين محمد بن عبد الله نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم ، ورضي الله عن صحابته الكرام ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:

الحب في الله والأخوة الإسلامية “:

إن المجتمع المتحاب بروح الله الملتقي على شعائر الإسلام ، يقوم إخاء العقيدة مقام إخاء النسب ، وربما ربت رابطة الإيمان على رابطة الدم . والحق أنّ أواصر الأخوة في الله هي التي جمعت أبناء الإسلام أول مرة وأقامت دولته ، ورفعت رايته ، وعليها اعتمد رسول الله e في تأسيس أمة صابرت هجمات الوثنية الحاقدة وسائر خصوم المتربصين ، ثم خرجت بعد صراع طويل وهي رفيعة العماد وطيدة الأركان ، على حين ذاب أعداؤها وهلكوا ([1]) . لقد جاء الإسلام يتلى ويطبق : قال تعالى : ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” ([2]) .

وبدعوة نبوية كريمة : ” أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى ” ([3])

فالتعارف لا التنافر أساس العلائق بين البشر ، وقد تطرأ عوائق تمنع هذا التعارف الواجب من المضي في مجراه ، وإمداد الحياة بآثارها الصالحة وفي زحام البشر على موارد الرزق ، وفي اختلافهم على فهم الحق وتحديد الخير قد يثور نزاع ، ويقع صدام ، بيد أنّ هذه الأحداث السيئة لا ينبغي أن تنسي الحكمة المنشودة من خلوّ الناس وتعمير الأرض بجهودهم المتناسقة ، وكل رابطة توطد هذا التعارف وتزيح من طريقه العوائق فهي رابطة يجب تدعيمها والانتفاع بخصائصها .

وليس الإسلام رابطة تجمع بين عدد قل أو كثر من الناس فحسب ، ولكنه جملة الحقائق التي تقر الأوضاع الصحيحة بين الناس وربهم ثم بين الناس أجمعين . وبذلك يصير الدين الخالص أساس أخوة وثيقة العرى ، تؤلف بين أتباعه في مشارق الأرض ومغاربها ، وتجعل منهم ، على اختلاف الأمكنة والأزمنة، وحدة راسخة الدعامة . وهذا الحب وهذه الأخوّة هي روح الإيمان الحي ، ولباب المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه حتى أنّه ليحيا بهم ويحيا لهم ، فكأنهم أغصان انبعثت من دوحة واحدة ، أو روح واحد حل في أجسام متعددة . ومن حق الأخوة أن يشعر المسلم بأن إخوانه ظهراء له في السراء والضراء وأن قوته لا تتحرك في الحياة وحدها . بل إنّ قوى المؤمنين تساندها وتشد أزرها .

قال الرسول e : الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا” ([4])

وأخوة الدين تفرض التناصر بين المسلمين ، لاتناصر العصبيات العمياء ، بل تناصر المؤمنين المصلحين لإحقاق الحق وإبطال الباطل وردع المعتدي ، وإجارة المظلوم ، فلا يجوز ترك مسلم يكافح وحده في معترك ، بل لابد من الوقوف بجانبه على أي حال لا يشاده إن ضلّ ، وحجزه إن تطاول ، والدفاع عنه إن هوجم ، والقتال معه إذا استبيح ….. وذلك معنى التناصر الذي فرضه الإسلام . ويقول رسول الله e : انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ” ([5]) .

فضــــل الأخـــوة في الله :

لمّا كانت الأخوة في الله سرّاً قدسياً ، وصفة ملازمة للإيمان ، فقد جعل الله عز وجل لها من الفضل وعلو المنزلة والأجر ما يدفع أبناء القرآن إلى استشرقها والحرص عليها وإليك طائفة من الأحاديث التي تدل على ذلك : روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله e أنه قال : ” سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ” ([6]) . وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن الرسول e أنه قال : ” لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ” ([7]) . وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن الله تبارك وتعالى يقول ” حقت محبتي للمتحابين فيّ ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ ، المتحابون فيّ على منابر من نور ، يغبطهم النبيين والصديقين والشهداء ” ([8]) . وإن هذه الأحاديث وغيرها لا تحتاج إلى شرح أو تعليق فبلاغتها وقوة روحها وفصاحة بيانها تغنينا عن ذلك

حقوق الأخوة ( المحبة ) في الله :

1. أن يكون كل منهما عوناً لصاحبه يقضي حاجته ويقدمها على نفسه ويتفقد أحواله ، كما يتفقد أحوال نفسه ، ويؤثر على نفسه ، وعلى أهله وأولاده ، يسأل عنه بعد كل ثلاث فإن كان مريضاً عاده ، وإن كان مشغولاً أعانه ، وإن كان ناسياً ذكره ، يرحب به إذا دنا ، ويوسع له إذا جلس ، ويصغي إليه إذا حدّث .

2. المواساة بالمال ، فيواسي كل منهما أخاه بماله إذا احتاج إليه ، بحيث يكون دينارهما ودرهمهما واحداً لا فرق بينهما فيه .

3. أن يكف عنه لسانه إلاّ بخير ، فلا يذكر له عيباً في غيبته أو حضوره ، ولا يستكشف أسراره ، ولا يحاول التطلع إلى خبايا نفسه ، ويتلطف في أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر .

4. أن يعطيه من لسانه ما يحبه منه ، فيدعوه بأحب أسمائه إليه ، ويذكره بالخير في الغيبة والحضور ، ويبلغه ثناء الناس عليه ، مظهراً اغتباطه بذلك ، وفرحه به ، لا يسترسل في نصحه فيقلقه ، ولا ينصحه أمام الناس فيفضحه .

5. أن يعفو عن زلاته ، ويتغاضى عن هفواته ، يستر عيوبه ، ويحسن به ظنونه .

6. أن يفي له في الأخوة , فيثبت عليها ويديم عهدها ، لأن قطعها محبط لأجرها .

7. أن لا يكلفه ما يشق عليه ، وأن لا يحمله ما لا يرتاح معه .

8. أن يدعوله ولأولاده ومن يتعلق به بخير ما يدعو به لنفسه وأولاده

آداب المحبة ( الأخوة ) :

1. التواضع : حيث يجدر بالأخ أن يتواضع لأخيه ويلين له ولا يؤذيه بكلمة قاسية أو بموقف استهتار ، ولقد وصف الله تعالى تواضع الأخ لأخيه بقولـه تعالى :

” أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ” ([9]) .

ويقول رسول الله e : ” إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِى أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَفْخَر أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ” ([10])

2. الحفاظ على المودة والوفاء : وذلك بأن تذكره بما تعرف عنه من كريم الخصال ، وبالتغاضي عما يبدو منه من هنات .

3. الاهتمام به والتعرف على أحواله : من آداب الإسلام أن تتعرف إلى أحوال أخيك .

4. السير في حاجة أخيه : فمن آداب الأخوة أن نسارع إلى مساعدته والسير في حاجته لما في ذلك من الأجر .

5. الانتصار للأخ : وذلك بأن نحفظه في غيبته ، فلا نسمح لأحد بالتعرض إليه .

أن يدعوله بظهر الغيب : والدعاء للأخ دليل الوفاء وصدق الأخوة

 

 

د/ فهد العصيمي

 

[1] – خلق المسلم – محمد الغزالي – ص 212

[2] – سورة الحجرات ، آية 13 .

[3] – جزء من خطبة الوداع – انظر القول المبين في سيرة المرسلين – ص329 .

 

[4] – صحيح مسلم – كتاب البر والصلة والآداب – باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم .

[5] -صحيح البخاري – كتاب الإكراه – باب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه وإذا خاف عليه القتل ,. ح: 6438 .

[6] – صحيح مسلم – كتاب الزكاة – باب إخفاء الصدقة – ح: 1712 .

[7] – صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون – ح: 81 .

[8] – السنن الكبرى ، البهيقي – ج10 – ص233 .

[9] – سورة المائدة ، آية 54 .

 

[10] – سنن أبي داود – كتاب الأدب – باب التواضع – ح: 4250 .