موقع الأستاذ الدكتور / فهد بن حمود العصيمي

ما شاء الله تبارك الله

زيــــارة المـريـــض فى الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

زيــــارة المـريـــض فى الإسلام
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول رب العالمين محمد بن عبد الله نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم ، ورضي الله عن صحابته الكرام ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
إنّ من سنة الله تعالى في خلقه أن يبتليهم بالمصائب والكوارث وهذه المصائب تختلف على حسب أنواعها فتارة تكون في البدن ، وتارة تكون في المال ، وتارة تكون في الذرية . وإنّ من جملة المصائب التي يبتلي الله بها عباده الأمراض ، وهذه الأمراض تحصل بأسباب : إما أن يكون العبد ممن يعمل المعاصي فيكون المرض عقوبة من الله له ، ، قال تعالى :” مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ” ([1]) وأن يكون المرض كفارة لذنوب صدرت من العبد ، أو أن يكون المرض سبباً لرفع منزلة المريض في الآخرة ، وهذه الأسباب قد تجتمع تارة وتفترق تارة أخرى .

واعلم أن الواجب عليك إذا ابتليت بالمرض ، أن تصبر على هذا البلاء وتحتسب ذلك عند الله ، فإن الجزع والتسخط لا يأتي بخير .

ولذلك ينبغي علينا زيارة المريض سواء أكان من الأقارب أو من الأصدقاء أومن غيرهم ويجب علينا أن نواسيه وأن ننسيه مرضه قدر ما نشاء وأن ننصحه بما يفيد قدر المستطاع ، فننصحه بالتداوي حيث أنّه لا يوجد حرج في التداوي ، وبذل أسباب الشفاء والبحث عن الطبيب الماهر وقد وردت بذلك الأدلة الكثيرة .

بعض الأحاديث التي تحثّ على التداوي :

¨فعن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله عن النبي e أنه قال : ” لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ” ([2]) .

¨وعن عطاء ، عن أبي هريرة قال : قال رسول e : ” مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ” ([3]) .

¨وعن زياد بن علاقة ، عن أسامة بن شريك ، قال : ” قَالَتْ الْأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ قَالَ دَوَاءً إِلَّا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ قَالَ الْهَرَمُ ” ([4]) . وفي حديث ابن مسعود يرفعه إلى النبي e : ” تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ” ([5]) . فقد تضمنت هذه الأحاديث الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها ويجوز أن يكون قوله ” لكل داء دواء ) على عمومه يتناول الأدواء القاتلة والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها ، ولكن طوى علمها عن البشر ، ولم يجعل لهم إليه سبيلاً ، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله ، ولهذا علّق النبي e الشفاء على مصادفة الدواء للداء ، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد ، وكل داء له ضد من الدواء يعالج بضده ، فعلق النبي e البرء بموافقة الداء للدواء وهذا قدر زائد على مجرد وجوده ، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية ، أو الكمية ، أو زاد في الكمية على ما ينبغي ، نقله إلى داء آخر ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته ، وكان العلاج قاصراً ، ومتى لم يقع المداوي على الدواء أو لم يقع الدواء على الداء ، لم يحصل الشفاء ، ومتى لم يكن الزمان صالحاً لذلك الدواء لم ينفع ، ومتى كان البدن غير قابل له ، أو ثم مانع يمنع من تأثيره لم يحصل البرء لعدم المصادفة ومتى تمت المصادفة حصل البراء بإذن الله ولابد . وهكذا نرى أن الدواء مجرد سبب للشفاء والشافي حقيقة هو الله قال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام ” وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي ” ([6]) . فعليك أن تبذل السبب ، ولكن اعتمد بقلبك على الشافي جلّ وعلا .

 

 

حِكَم المرض وفوائده :

ينبغي على زائر المريض أن يذكر المريض بحكم المرض وفوائده لأنّ ذلك أدعى لتسلية المريض وللترفيه عن نفسه ودعوة له للصبر على مرضه والرضى بحكم الله تعالى ، وإنّ من فوائد المرض :

 

تكفير الذنوب والسيئات :

فالمرض سبب في تكفير الخطايا التي تقترف بالقلب والسمع والبصر واللسان وسائر الجوارح ، فالمرض قد يكون عقوبة على ذنب وقع من العبد ، وتعجيل العقوبة للمؤمن في الدنيا خير له ، حتى تكفرّ عنه ذنوبه ، ويلقى الله سالماً طاهراً منها ، فعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي e قال :” مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ” ([7]) . وفي هذا الحديث دلالة على أ، المرض النفسي كالمرض البدني في تكفير السيئات ، حيث ذكر فيه المكروه الوارد على القلب ، وهو الهم والحزن والغم فالهم يكون على مكروه يتوقع في المستقبل يهتم به القلب ، والحزن على مكروه ماض من فوات محبوب أو حصول مكروه إذا تذكره أحدث له حزناً ، والغمّ يكون على مكروه حاصل في الحال يوجب لصاحبه الغم وهذه المكروهات هي من أعظم أمراض القلب وأدوائه .

كتابة الحسنات ورفع الدرجات:

من فوائد المرض أن العبد إذا صبر عليه فإنّه يثاب بكتابة الحسنات له ورفع الدرجات وحصول الأجور العظيمة ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله e قال : ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ” ([8]) .

سبب في دخول الجنة :

لا تنال الجنة إلا بما تكرهه النفس ، كما قال عليه الصلاة والسلام ” حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ” ([9]) .والمكاره هي كل ما تكرهه النفس ويشق عليها ، وهذا يتناول مجاهدة النفس في القيام بالطاعة واجتناب المعاصي والصبر على المصائب والتسليم لأمر الله فيها .

رد العبد إلى ربه وتذكيره بمعصيته وإيقاظه من غفلته :

ومن فوائد المرض وغيره من المصائب أنه يردّ العبد الشارد عن ربه إليه ويذكره بمولاه بعد أن كان غافلاً عنه ويكفه عن معصيته

فإن العبد متى كان صحيحاً معافى انهمك في ملذاته وشهواته وأقبل على دنياه فنسي مولاه ، وتحين الشيطان غفلته فأوقعه في الشهوات والمعاصي ، فإذا ابتلاه الله بمرض أو غيره استشعر ضعفه وذله وفقره إلى مولاه ، وتذكر تقصيره في حقه وتفريطه في جنبه ، فعاد إليه نادماً ذليلاً متضرعاً . قال الله تعالى :” وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ” ([10]) .والضراء هي الأسقام والعلل العارضة في الأجسام .

تذكير العبد بنعم الله السابقة والحاضرة :

من فوائد المرض التذكير بآلاء الله ونعمه ، فكم منحنا الله من نعمة وكم دفع عنا من مكروه ، وهناك نعم كثيرة قد تغفل عنها في حال صحتك ، نظراً لانغماسك في التمتع بهذه النعم ، وفي هذا أعظم المنفعة للعبد .

تذكير العبد بحال إخوانه المرضى :

إنّ انهماك المرء في حياته وانشغاله بتحصيل متعها ومعافاته من الأمراض والعلل ، كل هذا مما لا يدع لديه متسعاً من الوقت والفكر للبحث عن إخوانه المرضى ثم القيام بحقهم ، ولهذا فمن حكمة الباري سبحانه أن يعّرض المؤمن للابتلاء بالأمراض في بعض الأحيان ، فيتذكر بما أصابه حال إخوانه المرضى الذين طالما غفل عنهم في حال صحته وسلامته([11]) .

د فهد العصيمى

[1] – سورة النساء ، آية 123 .

[2] – صحيح مسلم – كتاب السلام – باب لكل داء دواء واستحباب التداوي – ح: 4084 .

[3] – صحيح البخاري – كتاب الطب – باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح: 5246 – مسند أحمد 4106 .

[4] – سنن الترمذي – كتاب الطب عن رسول الله – ما جاء في الدواء والحث عليه – ح: 1961 .

[5] – مسند أحمد – كتاب أول مسند الكوفييت – باب حديث أسامة بن شريك – ح: 17728 .

[6] – سورة الشعراء ، آية 80 .

[7] – صحيح البخاري – كتاب المرضى – باب ما جاء في كفارة المرض – ح: 5210 .

[8] – صحيح مسلم – كتاب البر والصلة والآداب – باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن . ح: 4664 .

[9] – صحيح مسلم – كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها – ح : 5049 .

[10] – سورة الأنعام ، آية 42 .

[11] – انظر أنيس المريض – ص 15-52 .