موقع الأستاذ الدكتور / فهد بن حمود العصيمي

ما شاء الله تبارك الله

صــــــــلة الـــــــرحم

بسم الله الرحمن الرحيم

صــــــــلة الـــــــرحم:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول رب العالمين محمد بن عبد الله نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم ، ورضي الله عن صحابته الكرام ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
الحمد لله الملك القدوس السلام الذى أمر بصلة الأـرحام ، وجعلها من خصال أهل الإسلام ، الذين وعدهم الجنة دار السلام ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد أتقى الناس لربه ، وأوصلهم لرحمه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين الذين آمنوا به ونصروه .

أما بعد ، فإن صلة الأرحام حاجة فطرية ، وضرورة اجتماعية ، تقتضيها الفطرة الصحيحة ، وتميل إليها الطباع السليمة فإنه يتم بها الأنس ، وتنتشر بواسطتها المحبة ، وتسود المودة ، وهي دليل الكرم وعلامة المروءة ، تكسب الشخص والعشيره عزة وهيبة ومنعة .

تعريف ذوي الأرحام :

الأرحام جمع رحم ، وهو في الأصل مكان تكوين الجنين في بطن أمه ، ثم استعير لقباً للقرابة مطلقاً لكونهم خارجين من رحم واحدة ، ولأنّه من دواعي التراحم بين الأقرباء فصار اسماً لكافة أقارب الشخص ، كأبيه وأمه ، وأخيه وأخته ، وابنه وبنته ، وكل من بينه وبينهم صلة من هذه الجهات كالأجداد والجدات ، والأعمام والعمات ، والأخوال والخالات ، وأبناء الجميع ، سواء أكان الواحد منهم قريباً مباشراً أو غير مباشر ، محرماً أو غير محرم ، كلّ له من الصلة بحسب منزلته وحاله وحاجته .

وقاطع الرحم : حارمها ، وعاقها ، وتارك وصلها .

قال ابن منظور – رحمه الله – ” والقطع والقطيعة : الهجران ضد الوصل ، والفعل كالفعل ، والمصدر كالمصدر ، وهو على المثل ، ورجل قطوع لإخوانه ومقطاع : لا يثبت على مؤاخاة ” ([1]) .

خطر قطيعة الأرحام :

قطيعة الأرحام كبيرة من الكبائر التي توعّد الله القوي العزيز مرتكبها بألوان من الوعيد والعقوبات العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة . كيف وقد قال تعالى للرحم حين عازت به من القطيعة ” وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ” ([2]) .

فقاطع الرحم مقطوع من الله تعالى ، ومن قطعه الله جل وعلا فأي خير يرجوه ، وأي شر وسوء يأمن منه في عاجل أمره وآخره مادام متصفاً بقطيعة الرحم ؟ فعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي e قال ” مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ” ([3]) .

إذاً فقطيعة الرحم – والعياذ بالله – من أسباب طمس القلوب وعمى البصائر والحرمان من العلم النافع ، بل ومن كل خير ، لأنها من الفساد في الأرض الذي حكم الله على أهله باللعن وسوء العاقبة في الحال والمآل ، قال تعالى : ” فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ(22)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ(23)أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24) ” ([4]) . وقال سبحانه :” وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ” ([5]) .

وقد ورد أن قاطع الرحم لا يقبل عمله ، فقد روى أحمد بإسناد ، رجاله ثقات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله e قال : ” إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ” ([6]) .

إذاً قاطع الرحم قد عرض نفسه لعدم استجابة دعائه ، كما أن قطيعة الرحم تجعل صاحبها شؤماً على المجتمع الذي يوجد فيه ، روى عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله e يقول : ” لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم ” ([7]) .

كما ثبت في الصحيح أن قاطع الرحم مهدد بعدم دخول الجنة ، فعن جبير بن حطم عن النبي e قال : ” لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ” ([8]) .

تلك جملة من عقوبات قاطع الرحم ، أسأل الله تعالى أن يعافينا منها وإخواننا المسلمين ، وأن يجعلنا ممن يصلون أرحامهم ابتغاء وجهه وعلى طريقة نبيه محمد e .

مظاهر قاطع الرحم :

لقطيعة الرحم مظاهر عديدة ، فمن الناس من لا يعرف قرابته بصلة لا بالمال ، ولا بالجاه ، ولا بالخلق ، تمضي الشهور وربما الأعوام ما قام بزيارتهم ولا تودد إليهم بصلة أو هدية ولا دفع عنهم حاجة أو ضرورة أو أذية ، بل ربما أساء إليهم بالقول أو الفعل ، أو بهما جميعاً .

ومن الناس من لا يشارك أقاربه في أفراحهم ولا يواسيهم في أتراحهم ولا يتصدق على فقيرهم ، بل تجده يقدم غيرهم عليهم في الصلاة الخاصة التي هم أحق بها من غيرهم .

أسباب قطيعة الرحم :

إن أسباب التي تؤدي إلى قطيعة الرحم كثيرة منها :

1. الجهل بعواقب القطيعة وفضائل الصلة .

2. ضعف التقوى . 3. الكِبًر . 4. الانقطاع الطويل عن الأقارب.

5. العتاب الشديد بين الأقارب . 6. التكلف الزائد .

7. قلة الاهتمام بالزائرين .

8الشح والبخل ، وما فائدة المال أو الجاه إذا حرم منه الأقارب؟

قال زهير بن أبي سلمى : وما أجمل ما قال :

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله على قومه يستغن عنه ويذمم. ([9])

9. تأخير قسمة الميراث.

10. الشراكة بين الأقارب.

11. الاشتغال بالدنيا .

12. الطلاق بين الأقارب.

لقد مر بنا تعريف القطيعة وأضرارها وذكر شيء من الأسباب التي تحمل عليها . فإذا كان الأمر كذلك ، فما أجد العاقل أن يحذر قطيعة الرحم ، وأن يتجنب الأسباب الداعية إليها ، وما أحرى به أن يصل الرحم وأن يداوم على ذلك

وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً والحمد\ لله رب العالمين .

 

د/ فهد العصيمي

 

[1] – انظر لسان العرب – ابن منظور ص1436.

[2] -صحيح البخاري – كتاب الأدب – باب من وصل وصله الله ومن قطع قطعه الله – ح: 5528 – صحيح مسلم 4634 .

[3] – سنن الترمذي – كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله – باب منه – -ح : 2435 . – سنن أبو داود ح: 4256

[4] – سورة محمد ، الآية 22-24 .

[5] – سورة الرعد ، آية 25 .

[6] – مسند أحمد – باقي مسند المكثرين – ح: 9883 .

[7] – صحيح مسلم –ح: 2556 .

[8] – صحيح مسلم – كتاب البر والصلة والآداب – باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها – ح: 4637 .

[9] – ديوان زهير بن أبي سلمى ص31 .