موقع الأستاذ الدكتور / فهد بن حمود العصيمي

ما شاء الله تبارك الله

قضية المماطلة في سداد الديون

“الرسالة” تغوص في أغوار هذه المشكلة

قضية المماطلة في سداد الديون

تحقيق/يوسف بن ناصر البواردي

كانت البداية علاقة حميمة ومودة وألفة.. امتدت هذه العلاقة لتكون جسراً من التواصل بين صديقين كانا يدرسان في إحدى القرى.. لم يعهدا خلال غربتهما أن حصل بينهما ما ينغص تلك العلاقة.. بل يذكر أحدهما أنه قسم راتبه في يوم من الأيام بينه وبين صديقه حينما احتاج زميله وضاقت به السبل..

وفي يوم من الأيام تقدم أحد هذين الخلين يعلوه الخجل والحياء ليعرض حاجته لسلفة عاجلة وسيردها بأسرع وقت ممكن.. وافق هذا الصديق ورحب بهذا الطلب ولكن اشترط شرطاً بسيطاً ألا وهو أن يرجع السلفة بعد عام كامل وبالتحديد حينما يبدأ مشروع الزواج فهذه الأموال التي أخذها هذا الصديق هي حصيلة ما جمعه صديقه الوفي لزواجه!

وحينما قربت ساعة الصفر ذهب هذا الصديق لصديقه ليطلب منه هذه السلفة حتى يجهز ويعد لزواجه.. ولكن يا ترى مالذي حدث وجد هذا الصديق يتهرب من الإجابة عبر الهاتف والجوال.. بل وقد أوصى أهله بأن يقولوا بأنه مسافر وهو خلاف ذلك والسبب حتى لا يرجع المبلغ!

أحسن هذا الصديق الوفي الظن بزميله.. ولكن المدة طالت والبعض أخبره بأن صديقه موجود ولم يسافر وسيجده في المدرسة التي يدرس فيها.. ذهب مباشرة هذا الصديق للمدرسة وبالفعل وجد زميله وصعق من هذا التصرف.. بادره بالسؤال عن سبب تصرفه هذا وهل يقابل هذا الإحسان بالإساءة! طأطأ زميله رأسه معتذراً عن هذا الفعل بل واعتذر عن سداد الدين! خرج هذا الصديق من المدرسة وهو يدعو على صديقه بعدم التوفيق جزاء هذا الفعل وانقلبت هذه العلاقة الحميمة إلى عداوة وبغضاء!!

أخي القارئ الكريم ماذا لو حصل لك هذا الموقف أو مقارب له؟! وماذا لو اكتشفت أن صاحبك هذا كان بإمكانه أن يرد هذا الدين ولكن التسويف والمماطلة جعله يتأخر بل وينوي عدم السداد بفعله!!

إن قضية المماطلة في سداد الديون من القضايا العصرية التي انتشرت في الآونة الأخيرة وشكلت ظاهرة تحتاج إلى تأصيل شرعي وتحذير من خطر هذه الديون والمماطلة فيها!

صديق يشتكي ظلم صديقه: وعدني يرجع السلفة وقت زواجي فحصل منه هذا الغدر!

د. العصيمي.. كلية المعلمين:لم يصلِّ النبي عليه الصلاة والسلام على من عليه دين لعظم أمره!

في البداية تحدث د. فهد بن حمود العصيمي المدرس بكلية المعلمين بالرياض عن خطر المماطلة بسداد الديون حيث قال: إن كثيراً من الناس لا يبالي بحقوق الآخرين ولا بأداء ديونهم بحيث يماطل وهو قادر على الوفاء وأداء الدين ولاشك أن هذا التصرف ينبئ عن ضعف في الدين وعدم استشعار الوقوف بين يدي الله تعالى مجرداً إلا من عمله الصالح، مضيفاً فضيلته: ألا يخشى هذا المماطل الذي لا يؤدي حقوق الناس ويحاول أكلها بطرق مباشرة أوغير مباشرة أن يخترقه الموت وقد تعلقت في رقبته ديون وأموال أكلها بدون وجه حق.

ويستطرد الشيخ العصيمي قوله: ولشدة حقوق الناس في الإسلام فقد أمر القرآن بكتابة الديون حتى لا تنسى قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ ﴾ [البقرة: 282]، وشدد القرآن الكريم على تقديم إخراج الدين والوصية قال تعالى: «فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين»، وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، مضيفاً العصيمي أنه لما كانت الحقوق المالية أمرها عظيم في الإسلام اضطر الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يصلي على من عليه دين وقد روي ذلك في البخاري، وفي حديث آخر أن رجلاً تكفل على رجل عليه دين فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يسأل الكفيل كلما لقيه عما فعلت في الدينارين، فلما قال أديتهما عنه قال صلى الله عليه وسلم الآن بردت جلدته، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى ينتهي عنه»؛ رواه البخاري، ولذلك من قتل في سبيل الله مجاهداً فإن جزاءه الجنة يرحمه الله ويغفر له كل شيء ما عدا الدين يقول صلى الله عليه وسلم: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين»؛ رواه مسلم والترمذي والنسائي وأحمد.

ويؤكد الشيخ العصيمي على خطورة هذه القضية بقوله: ومن هنا نهى صلى الله عليه وسلم المسلم أن يستدين إلا وهو قادر على الوفاء يقول صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب» ذكره مالك في الموطأ.

واستفاد منه صلى الله عليه وسلم في كثير من أقواله فقد روى البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:« اللهم إني أعوذ بك من الهم وضلع الدين وأعوذ بك من الكفر والدين»؛ رواه أحمد، وطلب صلى الله عليه وسلم من المدين أن يؤدي دينه بأسرع وقت ممكن قال صلى الله عليه وسلم« فمن كان عليه دين فليؤد دينه»؛ رواه مالك في الموطأ، وبين صلى الله عليه وسلم أن من يتهاون في أداء دينه في الدنيا يؤخذ منه يوم القيامة فقد روى ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الدين يقضى من صاحبه يوم القيامة»، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول:« اللهم أقض عنا الدين» رواه مسلم.

ويشير الشيخ العصيمي في ختام حديثه أنه يتبين لنا مما سبق من هذه الأدلة من الكتاب والسنة أن الأمر أفظع مما يتصوره كثير من الناس حيث لا يبالون في أداء حقوق إخوانهم المسلمين وحيث يعملون الطرق الاحتيالية لاقتناص أموالهم والاستفادة منها وهم لا يعلمون وذلك باسم المساهمات والشركات ونحو ذلك كالذين ينقصون المكيال والميزان أو الزرع من تجار وزراع وخبازين وجزارين ونحوهم.

حبس المدين:

بعد ذلك يدلف أستاذ الاقتصاد بجامعة الإمام د. زيد بن محمد الرماني ليشير إلى أن مشكلة مطل المدين وتأخره في أداء ما عليه من الديون من القضايا المهمة التي تشغل بال التجار والصناعيين والمستثمرين والممولين وذوي النشاطات الاقتصادية المختلفة في عصرنا الراهن، مبيناً ما إذا كانت التشريعات والقوانين في العالم قد عنيت بوضع حل لهذه المشكلة بحيث يكون رافعاً لأضرار المماطلة مزيلاً لآثارها كاشفاً للظلم عن الدائن الممطول، فإن الفقه الإسلامي قد سبق تلك التشريعات والقوانين الوضعية بمنهج فريد يحمل في طياته العدل والإنصاف ويتضمن كفاءة قصوى لحمل المدين المماطل بغير حق على الوفاء بالالتزام والأداء في الأجل المحدد.

ويعرج د. الرماني ببيان المراد بالدين والمقصود بالمماطلة، فالمراد بالمدين هو كل من شغلت ذمته بمال للآخرين سواء أكان ذلك الشاغل للذمة حالاً أم مؤجلاً وسواء أكان السبب قرضاً أم معاوضة أم إتلافاً أم غير ذلك من موجبات ثبوت الدين في الذمة، أما المماطلة فتعني منع قضاء ما استحق أداؤه ويدخل في ذلك كل من لزمه حق.

مضيفاً الرماني أن من أهم ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الموضوع أن المدافعة والتسويف في أداء الدين لا يعد مطلاً إلا إذا كان الدين حالاً غير مؤجل فأما إذا كان مؤجلاً في الذمة لم يحل وقت وفائه بعد فلا حرج على المدين في ذلك، لأنه متمسك بحق شرعي في التأجيل، ولا نزاع بين العلماء في أن المدين المليء إذا امتنع عن الوفاء بلا عذر فإنه يلزم تعزيره بالعقوبة الزاجرة التي تحمله على المبادرة إلى رفع ظلمه وضرره عن الدائن الممطول وهي مرنة في طبيعتها تختلف نوعاً وقدراً ورتبة بحسب لدده وما يجدي معه من أساليب الإضجار والإلجاء إلى فعل ما يجب عليه فعله والأمر فيها موكول إلى القاضي ليختار منها ماهو أولى وأصلح لرفع الظلم وتحقيق العدل.

مشيراً إلى أن بعض الفقهاء المعاصرين قد حددوا بعد تتبعهم للعقوبات الشرعية التي تكفل حمل المدين على الوفاء، وتلك العقوبات في عشرة:

1 – قضاء الحاكم دينه من ماله جبراً.

2 – إجباره على بيع ماله وقضاء دين الغرماء.

3 – منعه من فضول ما يحل له من الطيبات.

4 – تغريمه جميع نفقات الشكاية.

5 – إسقاط عدالته ورد شهادته.

6 – تمكين الدائن من فسخ العقد الموجب للدين.

7 – حبس المدين في موضع خشن.

8 – ملازمة المدين.

9 – ضرب المدين الذي لم تلجئه تلك العقوبات إلى رفع الظلم والضرر.

10 – بيع الحاكم عليه ماله.

الآثار المترتبة اقتصادياً:

وحول أبرز الآثار الاقتصادية المترتبة على مماطلة المدين الدائن في سداد الديون والوفاء بالالتزام فيشير الرماني إلى بعض منها وهي:

1 – مايحمله مطل المدين من ظلم للدائنين.

2 – ما يورثه مطل المدين من ضرر بالغ بالدائنين.

3 – ما يؤديه مطل المدين من إعاقة حركة المال والاقتصاد في المجتمع.

4 – ما يحدثه مطل المدين من تعطيل كثير من مصالح الأمة الحيوية.

5 – ما ينشأ نتيجة مطل المدين من خلل في بنية الحياة الاقتصادية، لأن الثقة بوفاء الحق في أوانه وقضائه في إبانه أساس الائتمان وقوام المداينات المثمرة وفقدان ذلك ينتج لا محالة ذلك الخلل.

6 – ما يترتب على مطل المدين من آثار سلبية خطيرة تمس كثيراً من الشؤون والعلاقات.

ويؤكد د. الرماني في نهاية حديثه إلى أن مشكلة مطل المدين وتأخره في أداء ماعليه من الديون من القضايا التشريعية والاقتصادية المهمة في عصرنا الحاضر.

مماطلة العمال:

الشيخ رضوان بن عبدالكريم المشيقح مدير عام فرع الرئاسة بمنطقة القصيم المكلف أشار إلى أن من المماطلة في تسديد الديون تسديد أقساط الصندوق العقاري فصندوق التنمية العقاري هو إحدى لبنات الخير التي أرستها الحكومة الرشيدة رغبة منها في توفير السكن المناسب للمواطن وأسرته في كل مكان بتقديم القروض العقارية السخية التي تسهم في بناء المسكن، غير أن البعض يرون أن القروض التي استلموها وكأنها حق مكتسب لهم فيماطلون في تسديد الأقساط بل ربما لا يدفعون نهائياً ولا قسطاً واحداً، فيحرمون بهذا التصرف بقية المواطنين من الاستفادة من عوائد الصندوق لبناء منازلهم، مضيفاً الشيخ المشيقح كذلك من أنواع المماطلة ما يتعلق بحقوق العامل المستقدم وتكليفه مالايطيق وعدم إعطائه حقه قبل أن يجف عرقه والوضوح معه في نوع العمل ومقدار الأجرة وعدم التلبيس عليه أو المماطلة في حقوقه، فيجب إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه كما أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم وليحذر المسلم من أن يستوفي منهم عملهم ولا يوفيهم أجرهم فالله جل وعلا خصم من يفعل هذا الفعل، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطي بي ثم غدر ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه ورجل استأجر أجيراً واستوفى منه العمل ولم يوفه أجره».

ويستطرد الشيخ المشيقح بقوله: واعلم يا أخي أن في مماطلتك في حقوق العمال وبخسها إساءة للإسلام من حيث تشعر أو لا تشعر فيتصور الجهلة أن هذه الأخلاق أخلاق الإسلام وأن تلك سمة المسلمين والواقع أنه خطؤك والإسلام منه براء وليس كل المستقدمين يدرك هذا؟ ولربما كنت حجر عثرة في سبيل اعتناقه للإسلام إن كان كافراً، وفرق بين هؤلاء وبين فئة أخرى من الكفلاء اهتدى مكفولهم إلى الإسلام على أيديهم وذلك لحسن أخلاقهم وطيب تعاملهم وإعطائهم حقوقهم، مشيراً فضيلته أنه بهذا التعامل وهذه الأخلاق ورعاية هذه الأمانة يرجع هؤلاء إلى بلادهم وقد انشرحت صدورهم للإسلام ويأخذون على عاتقهم دعوة قومهم لهذا الدين.

وفي الختام يوجه الشيخ المشيقح هذه النصيحة فيقول: أذكرك يا أخا الإسلام وأحذرك أن تكون سبباً لقطع الإحسان عن غيرك بسب سوء سلوكك ومماطلتك بل ومن أدب الإسلام أن تدعو لمن استلفك ولست خيراً من محمد صلى الله عليه وسلم وقد استلف من رجل سلفاً يوم حنين فلما قضاه قال له: «بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف الوفاء والحمد» فهل نتمثل هذه الأخلاق في حياتنا ومعاملاتنا ونتخذه قدوة لنا في أمورنا كلها ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21] ولا يظن الظالم إذا طالت أيامه وحصل مرامه أنه في أمنة من العقوبة، بل ذلك الإمهال لتستكمل الأعمال وتسنفد الآجال.

قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، وكم في قصص الغابرين وما أحله الله بالظالمين المعاصرين من جليل العبر وبليغ المواعظ لمن ادكر، ومن الظلم ظلم الناس بمنع حقوقهم أو بخسها والمماطلة فيها، أو التعدي عليهم في أموالهم فكل ذلك ظلم محرم، ومما يترتب عليه عظيم المآثم. فقد قال العلماء مماطلة الغني في السداد من الكبائر التي يعاقب الله عليها وثبت في الحديث الصحيح القدسي أن الله تعالى قال: «ياعبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا».

وينبه فضيلته أنه بناء على ما تقدم، فإن المقرر شرعاً وما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى أنه يجب على المدين إيفاء ديونه إذا كان موسراً فإن كان معسراً فيمهل إلى وقت اليسار عملاً بنظرة الميسرة التي في الآية الكريمة ﴿ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة: 280]وإذا كان موسراً مماطلاً وله مال يفي بديونه الحاله جاز للقاضي حبسه حتى يسدد ماعليه